عين القضاة

مقدمة 35

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

وتمسح بها سبلتك وتظن أن ذلك من الطامّات التي يلفّقها بعض الحمقى الضالين من الباطلين . ومن لم يصل إلى شئ من معانيها ذوقا ، فيكون ممن يقول فيه القرآن : « وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ » ، ويقول : « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ » . هذا نصيبك من الواجب علىّ في نصيحتك ، وأما العارفون فسواء عندهم ايمانك وكفرك ؛ فمنزلة علمك الذي تدلّ به عندهم كمنزلة علم الحياكة والحجامة عند أهل التحقيق من العلماء ؛ وماذا على العالم المحيط علمه بحقائق المعلومات لو لم يحط بعلم الحياكة والحجامة ؟ ! الفصل الثامن والعشرون ( إدراك عجز العقل بواسطة كلّ من العقل والبصيرة ) كل من كان أوفر حظا من هذا الطور ، كان عقله أبصر بعجزه عن ادراك حقيقة الأول وادراك حقيقة صفاته . وآخر عالم من عوالم المدركات المعقولة ، أن يدرك العقل عجزه عن ادراك كثير من الموجودات ؛ وهذا العجز من أوائل ما يلوح في الطور الذي بعد العقل . فكان آخر حدود طور العقل متصلا بأول حدود الطور الذي بعده ، كما أن آخر حدود التمييز متصل بأول حدود العقل . فمن خاصيّة العالم إذا كمل في علمه ، أن يعلم يقينا أنه لا يتصور له ادراك الحقيقة الأزلية ؛ وإنما يدرك ذلك بعد اتقان مقدمات كثيرة مشهورة عند العلماء النظّار . ثم يكون بين ادراك العقل لعجزه بالمقدمات وبين ادراك العارف لذلك العجز ، أعنى لعجز العقل عن ادراك مدركات العارف ، بون بعيد وفرق عظيم . ويكاد يكون ذلك العجز الذي يلوح للعقل بمنزلة العجز الذي يلوح للوهم